محمد بن جرير الطبري

18

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

معمر ، عن قتادة : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ قال : يجري في فلك السماء كما رأيت . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد ، في قوله : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ قال : الفلك الذي بين السماء والأرض من مجاري النجوم والشمس والقمر . وقرأ : تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً وقال : تلك البروج بين السماء والأرض وليست في الأرض . كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ قال : فيما بين السماء والأرض : النجوم والشمس والقمر . وذكر عن الحسن أنه كان يقول : الفلك طاحونة كهيئة فلكة المغزل . والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال الله عز وجل : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ وجائز أن يكون ذلك الفلك كما قال مجاهد كحديدة الرحى ، وكما ذكر عن الحسن كطاحونة الرحى ، وجائز أن يكون موجا مكفوفا ، وأن يكون قطب السماء . وذلك أن الفلك في كلام العرب هو كل شيء دائر ، فجمعه أفلاك ، وقد ذكرت قول الراجز : باتت تناجي الفلك الدوارا وإذ كان كل ما دار في كلامها ، ولم يكن في كتاب الله ولا في خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عمن يقطع بقوله العذر ، دليل يدل على أي ذلك هو من أي ؛ كان الواجب أن نقول فيه ما قال ونسكت عما لا علم لما به . فإذا كان الصواب في ذلك من القول عندنا ما ذكرنا ، فتأويل الكلام : والشمس والقمر ، كل ذلك في دائر يسبحون . وأما قوله : يَسْبَحُونَ فإن معناه : يجرون . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ؛ وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قوله : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ قال : يجرون . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : يَسْبَحُونَ قال : يجرون . وقيل : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ فأخرج الخبر عن الشمس والقمر مخرج الخبر عن بني آدم بالواو والنون ، ولم يقل : " يسبحن " أو " تسبح " ، كما قيل : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ لأن السجود من أفعال بني آدم ، فلما وصفت الشمس والقمر بمثل أفعالهم أجرى الخبر عنهما مجرى الخبر عنهم . القول في تأويل قوله تعالى : وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ . . . وَنَبْلُوكُمْ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : وما خلدنا أحدا من بني آدم يا محمد قبلك في الدنيا فنخلدك فيها ، ولا بد لك من أن تموت كما مات من قبلك رسلنا . أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ يقول : فهؤلاء المشركون بربهم هم الخالدون في الدنيا بعدك ؟ لا ، ما ذلك كذلك ، بل هم ميتون بكل حال عشت أو مت فأدخلت الفاء في " إن " وهي جزاء ، وفي جوابه ؛ لأن الجزاء متصل بكلام قبله ، ودخلت أيضا في قوله " فهم " لأنه جواب للجزاء ، ولو لم يكن في قوله " فهم " الفاء جاز على وجهين : أحدهما : أن تكون محذوفة وهي مرادة ، والآخر أن يكون مرادا تقديمها إلى الجزاء ، فكأنه قال : أفهم الخالدون إن مت . وقوله : كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ يقول تعالى ذكره : كل نفس منفوسة